ابن أبي الحديد

27

شرح نهج البلاغة

فأما قوله في جواب سؤال من قال إنهم اعتقدوا فيه أنه من المفسدين في الأرض ، وأن آية المحاربة تتناوله ، وأنه قد كان يجب أن يتولى الامام ذلك الفعل بنفسه ، لان ذلك يجرى مجرى الحد ، فطريف ، لان الامام يتولى ما يجرى هذا المجرى إذا كان منصوبا ثابتا ، ولم يكن على مذهب القوم هناك إمام يجوز أن يتولى ما يجرى مجرى الحدود ، ومتى لم يكن إمام يقوم بالدفع عن الدين والذب عن الأمة ، جاز أن تتولى الأمة ذلك بنفوسها . قال : وما رأيت أعجب من ادعاء مخالفينا أن أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله كانوا كارهين لما جرى على عثمان ، وأنهم كانوا يعتقدونه منكرا وظلما ، وهذا يجرى عند من تأمله مجر دفع الضرورات قبل النظر في الاخبار ، وسماع ما ورد من شرح هذه القصة ، لأنه معلوم أن ما يكرهه جميع الصحابة أو أكثرهم في دار عزهم ، وبحيث ينفذ أمرهم ونهيهم لا يجوز أن يتم . ومعلوم أن نفرا من أهل مصر لا يجوز أن يقدموا المدينة فيغلبوا جميع المسلمين على آرائهم ، ويفعلوا بإمامهم ما يكرهونه بمرأى منهم ومسمع ، وهذا معلوم بطلانه بالبداهة والضرورات قبل تصفح الاخبار وتأملها . وقد روى الواقدي عن ابن أبي الزناد ، عن أبي جعفر القاري مولى بنى مخزوم ، قال : كان المصريون الذين حصروا عثمان ستمائة ، عليهم عبد الرحمن بن عديس البلوى ، وكنانة بن بشر الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي . والذين قدموا المدينة من الكوفة مائتين ، عليهم مالك الأشتر النخعي . والذين قدموا من البصرة مائة رجل ، رئيسهم حكيم بن جبلة العبدي ، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله الذين خذلوه لا يرون أن الامر يبلغ به القتل ، ولعمري لو قام بعضهم فحثا التراب في وجوه أولئك لانصرفوا ، وهذه الرواية تضمنت من عدد القوم الوافدين في هذا الباب أكثر مما تضمنه غيرها . وروى شعبة بن الحجاج عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : قلت له :